العيادة//بقلم المبدع السفير عبدالصاحب ابراهيم أميري

قصة قصيرة
العيادة
عبد الصاحب إ أميري


ما أن وضع شاب في الخامسة
والعشرين من عمره أنيق المظهر قدميه عند مدخل مرآب باصات الخشب، القريب من سوق البصرة القديم، أحس بحرارة الإستقبال تتسلل إلى جسده النحيف وإذا بامرأة اتعبها الدهر تترك بيتها الطيني تزغرد فرحة،
تطرق أبواب جيرانها، تبشرهم بقدوم ولدها بلحن ساحر أخترق مسمع الشاب:

  • أخيراََ عاد ولدي، فالح عاد، رحبوا بولدي، حللت اهلاََ
    يا فالح.
    صرخ الشاب:
  • كنت ولا زلت عند عهدي
    يا أماه.
    يلفت بتصرفه أنظار سواق الباصات الخشبية والمسافرين، فالح في طريق العودة إلى قريته (المطيحة) موطنه،بدأ يتأمل وجوه الركاب التي حرقتها شمس البصرة المحرقة أيام الصيف بشوق، واحداََ فواحد كمن يريد أن يأخذهم بالأحضان لون بشرتهم دال على هوياتهم الأصلية،اقبلوا للبصرة لشراء حاجياتهم (كأكياس الطحين، السكر والدجاج) يقتنوه عادة من سوق البصرة، بدأت أمه برش الماء فرحةً باستقبال إبنها العائد بعد تحقيق أمانيها
    شريط الماضي بدأ يلاحقه وكأنه يشاهد فيلماََ هو أحد أبطال قصتها، عاد سنوات إلى الخلف أيام كان صبياََ في الثامنة من عمره، يأتي صحبة أبيه قاصداََ البصرة لشراءبعض الحاجيات.
  • إبني فالح أين أصبحت؟
    يرد فالح على أبيه وهو يتنهد بصعوبة أثر الحمل الثقيل والعائد لسيدة عجوز تحمل اقدامها بصعوبة،
  • لو نظرت خلفك ستشاهدني ياأبي.
    ما أن يلتفت الأب للخلف… يشاهد إبنه ذو الثامنة أعوام حاملاََ متاع امرأة عجوز تعتمد على العصى، تمسح العجوز بيدها على رأس الصبي وتقول:
  • ما أسمك يا ولدي؟
    -فالح.
    ترفع العجوز رأسها للسماء تدعو الباري تعالى ل(فالح) بالنجاح والموفقية، ترتسم على وجه الأب إبتسامة فرح وهو يتابع المشهد.
  • بوركت يا ولدي.
    -ولدك ملاك؟
    قطع رجل عجوز تأملات (فالح) ورحلتة للماضي حين طبطب على كتف (فالح).
    -ممكن أن تساعدني أبني
    أبتسم فالح الفتى البصري الأصيل ابتسامة تدل على الرضا.
    -أين أخذهم ياعم؟
  • للباص أبني، باص (المطيحه).
    تفحص الرجل، الشاب فالح من رأسه إلى اخمص قدميه واردف سائلاََ؟
  • وأنت، أين تقصد؟
  • المطيحه.
    يستقر الرجل في الجزء الوسط من الباص إذ يحتوي على 6 مقاعد متقابلة ويشير إلى فالح بالجلوس أمامه
  • تفضل هنا.
    ما أن يستقر فالح على مقعده المقابل لمقعد الرجل، يتفحص الرجل المسن فالح بدقة، ويسترجع ذاكرته، يهز راسه علامة للنفي.
  • لم أتمكن من معرفتك!
  • أتيت لتزور احداََ؟
  • أنا من أهلها.
  • قضيت عمري البالغ إحدى وسبعين عاماََ بالمطيحه، ولم أرك، أنا أعرف الأهالي فردا فردا.
    أين كنت كل هذه الفترة؟
  • الحق معك، كنت بعيداََ عن القرية، خاصة إحدى عشر عاماََ الأخيرة لم ارها حتى مرة واحدة.
  • عدت لتزور أهلك؟
  • عدت لمسقط رأسي، لنخيل المطيحه.
    يرمي فالح ببصره خارج نافذة الباص متأملاََ النخيل على حافتي الطريق باعجاب بالغ،صوت صبي يخترق مسماع فالح، إلا وهو صوته
    -نجحت، نجحت،
    تعلو الدهشة على وجه الشاب فالح… يبحث عن مصدر الصوت بين أشجار النخيل
    وإذ به يشاهد نفسه حين كان في الثامنة من عمره يحمل بشرى أول نجاح حققه، واضعا شهادة نجاحه على صدره عائداََ من المدرسة، يتسابق مع الباص الخشبي، علامات القلق تبدو واضحة على محيا فالح، يختفي الصبي فالح عن الأنظار، يقوم فالح ويرمي نظرة الى مؤخرة الباص، يجد نفس الصبي قد صعد خلف الباص والرياح تداعبه وقد بان عليه التعب،
    لا يطيق الشاب صبراََ يخرج رأسه من النافذة منادياََ:
  • فالح، أحذر قد تقع
    يختفي الصبي عن الأنظار
    يلتفت الركاب صوب فالح، كأنهم يحاولون تفسير ما يحدث.
  • ماذا حلّ بك؟!
    يبتسم الرجل المسن بوجه فالح.
    ما أن يرى فالح إبتسامة الرجل، يبتسم هو الآخر
  • كلما حاولت أن أعرفك عجزت، ممكن أن أعرف، إبن من تكون؟
    يرد عليه فالح بأدب:
  • أنا إبن عبد السادة.
  • عبد السادة؟!
  • نعم، حارس المدرسة.
  • أنت أبن المرحوم عبد السادة؟! أنت فالح؟
  • نعم.
  • ابوك، رجل خير، يرحمه الله.
    كلام الرجل كان سبباََ في أن يعيد اليه هذا المشهد للمرة الألف، أمه فرشت ساحة بيتها الطيني بالحصير، تلطم خديها وسط معارفها من النسوة وهي تبكي بمرارة.
  • قتلوا عبد السادة، قتلوا أبو فالح
    اخذوه بالقوة، بليلة سوداء وانقطعت أخباره، لا نعرف عنه أي شيء.
  • بعد وفاة والدك الناس خافت تسأل عليكم.
    يتنهد فالح بألم:
  • المرض غلب أمي، والطب عجز عنه.
    ترفع أم فالح رأسها من الوسادة، مخاطبة إياه:
  • فالح …
  • أرجوك يا امي أرتاحي، الحركة تؤذيك.
    تضع الأم رأسها على الوسادة
  • الفقير لا طبيب له، إلا الله.
    -ونعم بالله.
  • اتمنى أن تكون طبيباََ للمعوزين.
    أنهارت الأم من البكاء.
  • لم تبكين؟
  • طلبي صعب جدا.
    يمسح فالح دموعها بكم ثيابه،
  • الله خير معين، ساحقق أمنيتك مهما كانت الظروف،
    يتلعثم الرجل المسن، وهو ينطق.
  • حققت رجاء أمك؟
  • الحمد لله.
    حققت أحلام أمي رحمها الله، سأجعل من مسكني عيادة للمعوزين، كل شيء بالمجان.
  • مشروعك يحتاج راسمال كبير!!
  • أضع عيني بعين الله.

عبد الصاحب إ أميري
**

أضف تعليق

Hey!

I’m Bedrock. Discover the ultimate Minetest resource – your go-to guide for expert tutorials, stunning mods, and exclusive stories. Elevate your game with insider knowledge and tips from seasoned Minetest enthusiasts.

Join the club

Stay updated with our latest tips and other news by joining our newsletter.

التصنيفات

الوسوم

روابط

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ