مقالة
(جائع لساعة المغيب)
مضى اكثر من ربع قرن وانا مازلت جائعاً ……لذلك المغيب
أصحاب وأصدقاء إعتدنا عصركل يوم ان نخرج وصولا الى
مغيب الشمس ….مروراً بحرشٍ هرمت جذوعه وهي تحمل خطوط ذكرياتنا التى حفرناها بقلوبنا قبل تلك الجذوع ..وكلها حنين وانين لأيامٍ خوالي ، هيَ لِي ماضٍ من العمر وآتي .
ربيع بكر في (زميون ) ينتظر وطأة اقدامنا …. ورفقة الكتاب هو من مستلزمات المسيرللشمس ……. يمر بجانبناالمخذولون والمحبطون …….الذين اعتادوا على ارتياد ذلك المكان وقت الغروب .
قالوا الانزواء مع الطبيعة …….يخفف من سلطان الاحساس بالوحدة .
وهناك آخرون من كلا الجنسين يبغون ذلك المغيب للتحرر والإنعتاق من الاختناق والوحشة حتى البكاء ……. نعم إن الاشخاص الوحيدين هم مرهفون في المجمل.
الشمس نقية بإصفرارها ، تُذَّهِبَ أغصان الاشجاراغصان غلبت في مصالحة الشمس أن لا ترحل ……..النسوة اللواتي كنّ في الطريق بشوشات ينتظرن غيمة ماطرةً تجلد وجوههن ، وكذا
أذرعتهن، وظهورهن ، لتظهر محاسناً رسمها الله باروع صورة جمالية ، بعد اول هبة ريح فلايعرفن برداً ولا ضجراً .
الاطفال من حولهن ملائكة…….هم حكاية من التاريخ والقدر ، هم انصع من الجليد والرخام في برائتهم .
في الطريق الى (زميون) الرجال مسالمون….. الجمال يتصاعد من خلايا الارض …..وينبت من كل مكان حتى انه يتسلل من تحت إبط الطريق ومن بين حجارته.
هي صورة من أيامي في مرآة روحي………. يقيناً…….. وقرباً ووصالاً …….وأؤمن بها ولو كانت ظناً ووهماً وخيالاً هي قلبي الساكن جنبي ، هي صورة تشبهني .
من السخف ان امنح وقت هذا المغيب الرائع لأي كان ، كل الانانية من حظي بإمتياز …..، وبلل رطوبة المساء يجعلني ﺃﺣﻦ لذلك اﻟﺼﻘﻴﻊ…… الذي ارسلته الشمس الرؤوم لترضعنا فرحاً ……..
ليعتريني شعور من الغبطة والحبور في وجداني (لولا الحياء) أن اتمرغ بتلك الحقول كطفلٍ عابثٍ …..أوكحملٍ ثملٍ من ثدي أمه فراح يقفز بلا هدى ……………. لأنسى غربتي وإحباطي وخذلاني .
كل الرجال لا يطيقون الغربة ……… فكل الفاتنات لايستطعن اخراجك من غربتك مثل تربتك …. حتى لو كن تلك الفاتنات وتلك الحسناوات وقورات .
مخنوق … لوحدي و على قارعة الغربة. الآن امسيت بمقهى على ضفة نهر العاصي لأبكي غربتي وأنفرد بذلك النهر وعلى كتفه أنتحب ……نواعيره كأنها تنعي عزيزاً……. .
النهر لم ينتظرني ، قد اخفق في حمل غربتي ولم ينتظرني لأتبعه . وتابع مجراه في رحيل .
الآن ……الآن ……الآن …..عبثا أحاول أن أتأقلم مع الزحام المرير…… والضجة والصخب و صياح الباعة هم يبعون كل شيء حتى الماء….واحياناً الحلم ……
وجدتني أوبخ نفسي أنني كبرت. ما كان ينبغي أصلا أن اكبر .
الآن لا أعرف لماذا تذكرت قطعة الخبز المدهونة بالسمن والمرشوشة بالسكر .
وكم أنا بحاجة ماسة(اللحظة) إلى خرقة الماء المبلولة على جبيني المحموم…فأنا جائع لذلك المغيب ، جوع مطمور منذ اكثر من ربع قرن .
وبقية أغنية أم كلثوم حزينة في المقهى ، و لحنها يتلهوج على نار فحمي وهي تصدح …… وكلها حزناً
(اهرب من قلبي اروح على فين)



أضف تعليق