“من مذكرات استاذ جامعي”
” أفواه وأرانب “ ولأن سكني في مصر الجديدة ، فدائماً يصافح نظري كلما ذهبت أو أتيت لوحتان ضوئيتان يتوسطان ، شارعين من أهم شوارع مصر الجديدة ، وهما يتبعان الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ويدون عليهما الساعة السكانية ، ومن كثرة رؤيتهما فقد تعودت إلا أنظر إليهما ، وتمنيت إنتشارهما في شوارع مصر كلها بحري وقبلي والأرياف أهم من الحضر ، والقرى أهم من المدن ، ولا أدري ما الذي لفت نظري إليهما اليوم ، فقد صدمت أو قل صُعقت أو قل تملكتني حيرة التعبير ، فقد قالت الساعة اليوم عدد المصريين في الداخل بلغ 100.000.000 نعم العدد في الداخل بلغ مائه مليون نسمة "وقت كتابة هذا الكلام" ، هذا عدا المصريين الذين يعيشون في الخارج ، ويبلغ عددهم بضع ملاين أيضاً ، وقررت متابعة هذه الساعة كلما مررت بها ، فوجدت بعد يومان العدد قفز إلى مائة مليون و 400 الف فقلت يا الله أمولود كل 17 ثانية أي 3.5 نسمه في كل دقيقة تقريباً ، أي كل ساعة يزيد تعداد المصريين 211 نسمه تقريباً ، ولن أقل أن كل يوم يزداد التعداد 5082 نسمه ، وكل شهر يزيدون 157470.5 نسمة وتزيد كل عام 1856200.5 نسمة ، وكل مولود يحتاج طعام وتعليم ورعاية صحية ، ثم عمل وسكن وأولاد تأتي منه وتستمر الدائرة ، ولا تحقق التنمية المطلوب منها وما نتمناه ، فنحن أمام إلتهام لكل الطموحات للمستقبل ، والغريب أن ثقافة المصريين تُعمق في الأذهان مقولة ظاهرها صحيح ، ولكن باطنها لا يفهم جيداً هذه المقول "كل طفل يأتي برزقه" ، لذلك في الطبقات الفقيرة يكثر الأولاد لعل الرزق يأتي معهم ، "بعيداً عن الإنجاب الذي يمثل المتعة الوحيدة تقريباً والمتاحة أمام الرجل والمرأة" في تملكَ الطبقة ، ونجد أن الفقير لا يجد ما يشبعه ولا يجد ما إعتقد أنه يأتي برزقه ، فالذي زاد هو عدد المتحلقين حول الطعام القليل ، فقد زاد عددهم بواحد جديد والطعام لم يزد ، ويقل التعليم بينهم وبالتالي تكثر المشاكل وأطفال الشوارع ، ويتبع كل هذا جرائم تقلق المجتمع ، فيتسع الإنفاق على الأمن وهكذا مجتمع ينتقل من السيء إلى الأسوء ، وفي مرة سُألت في ندوة عن العلاقة بين المولود والرزق ، فقلت بلا شك أن هذا الكون يدبره إله ، ويعلم كل ما لا نعلمه وفعلاً كل من إستدعاه الله ليعيش في ملك الله قد جعل له في ملكه رزقاً ، ولكن هناك فارق بين أن يدعوك الله للسعي لهذا الرزق ، وبين تقاعسك وجلوسك على قهوة أو في البيت أو حتى في مكان عبادة إعتقاداً أن الرزق سوف يأتي لك وأنت في مكانك ، وصدق من قال "إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضه" فمن يسعى يحصل على رزقه المقدر له من الله سبحانه وتعالى صاحب هذا الكون ، أما الذي يتكاسل عن السعي ويسكن في مكانه بلا حركة ، وينتظر من السماء أن تبحث عنه لكي تعطيه رزقه فهذا أمراً لا ينطبق مع مراد الله ، وللأسف فإن بعضهم يدخلون الدين خطأً في علاقات تعتمد أساساً على العقل ، الذي شرف الله به الخلق وأصبح هو مناط التكليف وفي النهاية يأتي الحساب من الخالق على ما ذهب العبد إليه بعقله ، فيكون في الدنيا راحة له وفي الأخرة الثواب ، أما من يهمل عقله ولا يفكر ولا يخطط لحاله فيكون عقله في الدنيا سبباً للشقاء ، وفي الأخرة سوء العقاب ، هذا هو نتيجة عمل العقل مناط التكليف ، والذي جعله الحق عند الإنسان هو الأمانه ، وقد أبىتْ باقي المخلوقات حمل هذه الأمانه ، ولقد كتبت سابقاً " أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الملائكة عقولاً بلا شهوة ، وخلق الحيوان شهوة بلا عقل وخلق الإنسان بعقل وشهوه ، والإنسان إذا غلب عقله على شهوته إقترب من الملائكة ، وإذا غلبت شهوته على عقله إقترب من الحيوانية والاختيار هنا للإنسان " ، وملل الدين الواحد عند الله أنزلها الرحمن هدى ونور للخلق ، ولم تكن ملل الدين المنزله من الرحمن سبباً لشقاء الإنسان ، ولكن الشقاء يأتي من عدم الفهم الصحيح للدين ، وكُتب الله المنزلة من عنده سبحانه وتعالى ، توراة وإنجيل وقرأن أيضا وهي كتب هدى ونور بنص القرأن ، وفهم وتأويل ما في هذه الكتب يختلف من شخص لأخر ، وهنا يحدث نتجة لإختلاف الفهم الذي ترتب على إختلاف العقول ، وهذا الصدام الغير مبرر يحدث عندما يحدث التعصب لفهم هو خطأ في حقيقته ، وعدم إدراكه أنه عبد في كون خلقه رحمن رحيم ليس في حاجه للتعصب له ، بل يدعو للعيش بين خلقه مع إختلافاتهم في سلام وأمن ، فالصدام بين العقول هو نتيجة لاختلاف في الفهم ، والدين من إختلاف الفهم بريء من الصدام ، ملل الدين نزلت بالسلام وحملها رسل السلام من رب من أسمائه السلام ، حتى يعيش الخلق جميعاً في سلام ، وإذا رأيت خلقاً لا يعيشون في سلام ، فلا تدخل الدين في النزاعات التي بينهم ، بل قل لقد ظلموا الدين بأفعالهم بعد أن ظلموا الدين بفهمهم.
♠ ♠ ♠ ا. د/ محمد موسى



أضف تعليق