من مذكرات استاذ جامعي : أفواه وأرانب// بقلم الشاعر : د. محمد موسى

“من مذكرات استاذ جامعي”

” أفواه وأرانب “ ولأن سكني في مصر الجديدة ، فدائماً يصافح نظري كلما ذهبت أو أتيت لوحتان ضوئيتان يتوسطان ، شارعين من أهم شوارع مصر الجديدة ، وهما يتبعان الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ويدون عليهما الساعة السكانية ، ومن كثرة رؤيتهما فقد تعودت إلا أنظر إليهما ، وتمنيت إنتشارهما في شوارع مصر كلها بحري وقبلي والأرياف أهم من الحضر ، والقرى أهم من المدن ، ولا أدري ما الذي لفت نظري إليهما اليوم ، فقد صدمت أو قل صُعقت أو قل تملكتني حيرة التعبير ، فقد قالت الساعة اليوم عدد المصريين في الداخل بلغ 100.000.000 نعم العدد في الداخل بلغ مائه مليون نسمة "وقت كتابة هذا الكلام" ، هذا عدا المصريين الذين يعيشون في الخارج ، ويبلغ عددهم بضع ملاين أيضاً ، وقررت متابعة هذه الساعة كلما مررت بها ، فوجدت بعد يومان العدد قفز إلى مائة مليون و 400 الف فقلت يا الله أمولود كل 17 ثانية أي 3.5 نسمه في كل دقيقة تقريباً ، أي كل ساعة يزيد تعداد المصريين 211 نسمه تقريباً ، ولن أقل أن كل يوم يزداد التعداد 5082 نسمه ، وكل شهر يزيدون 157470.5 نسمة وتزيد كل عام 1856200.5 نسمة ، وكل مولود يحتاج طعام وتعليم ورعاية صحية ، ثم عمل وسكن وأولاد تأتي منه وتستمر الدائرة ، ولا تحقق التنمية المطلوب منها وما نتمناه ، فنحن أمام إلتهام لكل الطموحات للمستقبل ، والغريب أن ثقافة المصريين تُعمق في الأذهان مقولة ظاهرها صحيح ، ولكن باطنها لا يفهم جيداً هذه المقول "كل طفل يأتي برزقه" ، لذلك في الطبقات الفقيرة يكثر الأولاد لعل الرزق يأتي معهم ، "بعيداً عن الإنجاب الذي يمثل المتعة الوحيدة تقريباً والمتاحة أمام الرجل والمرأة" في تملكَ الطبقة ، ونجد أن الفقير لا يجد ما يشبعه ولا يجد ما إعتقد أنه يأتي برزقه ، فالذي زاد هو عدد المتحلقين حول الطعام القليل ، فقد زاد عددهم بواحد جديد والطعام لم يزد ، ويقل التعليم بينهم وبالتالي تكثر المشاكل وأطفال الشوارع ، ويتبع كل هذا جرائم تقلق المجتمع ، فيتسع الإنفاق على الأمن وهكذا مجتمع ينتقل من السيء إلى الأسوء ، وفي مرة سُألت في ندوة عن العلاقة بين المولود والرزق ، فقلت بلا شك أن هذا الكون يدبره إله ، ويعلم كل ما لا نعلمه وفعلاً كل من إستدعاه الله ليعيش في ملك الله قد جعل له في ملكه رزقاً ، ولكن هناك فارق بين أن يدعوك الله للسعي لهذا الرزق ، وبين تقاعسك وجلوسك على قهوة أو في البيت أو حتى في مكان عبادة إعتقاداً أن الرزق سوف يأتي لك وأنت في مكانك ، وصدق من قال "إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضه" فمن يسعى يحصل على رزقه المقدر له من الله سبحانه وتعالى صاحب هذا الكون ، أما الذي يتكاسل عن السعي ويسكن في مكانه بلا حركة ، وينتظر من السماء أن تبحث عنه لكي تعطيه رزقه فهذا أمراً لا ينطبق مع مراد الله ، وللأسف فإن بعضهم يدخلون الدين خطأً في علاقات تعتمد أساساً على العقل ، الذي شرف الله به الخلق وأصبح هو مناط التكليف وفي النهاية يأتي الحساب من الخالق على ما ذهب العبد إليه بعقله ، فيكون في الدنيا راحة له وفي الأخرة الثواب ، أما من يهمل عقله ولا يفكر ولا يخطط لحاله فيكون عقله في الدنيا سبباً للشقاء ، وفي الأخرة سوء العقاب ، هذا هو نتيجة عمل العقل مناط التكليف ، والذي جعله الحق عند الإنسان هو الأمانه ، وقد أبىتْ باقي المخلوقات حمل هذه الأمانه ، ولقد كتبت سابقاً " أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الملائكة عقولاً بلا شهوة ، وخلق الحيوان شهوة بلا عقل وخلق الإنسان بعقل وشهوه ، والإنسان إذا غلب عقله على شهوته إقترب من الملائكة ، وإذا غلبت شهوته على عقله إقترب من الحيوانية والاختيار هنا للإنسان " ، وملل الدين الواحد عند الله أنزلها الرحمن هدى ونور للخلق ، ولم تكن ملل الدين المنزله من الرحمن سبباً لشقاء الإنسان ، ولكن الشقاء يأتي من عدم الفهم الصحيح للدين ، وكُتب الله المنزلة من عنده سبحانه وتعالى ، توراة وإنجيل وقرأن أيضا وهي كتب هدى ونور بنص القرأن ، وفهم وتأويل ما في هذه الكتب يختلف من شخص لأخر ، وهنا يحدث نتجة لإختلاف الفهم الذي ترتب على إختلاف العقول ، وهذا الصدام الغير مبرر يحدث عندما يحدث التعصب لفهم هو خطأ في حقيقته ، وعدم إدراكه أنه عبد في كون خلقه رحمن رحيم ليس في حاجه للتعصب له ، بل يدعو للعيش بين خلقه مع إختلافاتهم في سلام وأمن ، فالصدام بين العقول هو نتيجة لاختلاف في الفهم ، والدين من إختلاف الفهم بريء من الصدام ، ملل الدين نزلت بالسلام وحملها رسل السلام من رب من أسمائه السلام ، حتى يعيش الخلق جميعاً في سلام ، وإذا رأيت خلقاً لا يعيشون في سلام ، فلا تدخل الدين في النزاعات التي بينهم ، بل قل لقد ظلموا الدين بأفعالهم بعد أن ظلموا الدين بفهمهم.

♠ ♠ ♠ ا. د/ محمد موسى

أضف تعليق

Hey!

I’m Bedrock. Discover the ultimate Minetest resource – your go-to guide for expert tutorials, stunning mods, and exclusive stories. Elevate your game with insider knowledge and tips from seasoned Minetest enthusiasts.

Join the club

Stay updated with our latest tips and other news by joining our newsletter.

التصنيفات

الوسوم

روابط

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ