كل الشكر والتقدير والاحترام للمسئولين عن أكاديمية الغريب والناقد الرائع دكتور/ محمد مهداوي ، على هذا النقد الرائع والقراءة البديعة لكلماتي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مساء الخير والسعادة للجميع
مبدعينا الأكارم في كل أربعاء من كل أسبوع لنا لقاء بسهرة أدبية تحت عنوان //
(( قصيدة تحت النقد))
مع الناقد الكبير الأستاذ الدكتور: محمد مهداوي
سيقدم لنا استاذنا الموقر نقد لقصيدة شعرية يبين لنا الصور الشعرية ويقرأ لنا ما يقصد الشاعر بقصيدتة ويبين لنا القصيدة بشفافية من وجهة نظر وإحساس كاتبها .
فكونوا معنا بهذه السهرة الجميلة
وأولى القصائد هي قصيدة للشاعرة المبدعة / سلوى زافون (( Salwa Zafon ))
بعنوان /
(( أعطونا الحياة ))
لنتمعن بهذا النقد الرائع والاسلوب البديع الذي صور لنا به الناقد المبدع ما بين السطور .
وننتظر منكم المشاركة الجدية
لنستمتع معا بإبداع لغتنا العربية وفنونها .
اتمنى لكم سهرة موفقة وجميلة باذن الله تعالى
<<<<<<<<<<<<<<<<<<<
** اعطونا الحياة **
المتن الشعري:
أعطونا الحياة بقلم سلوى زافون
أعْطـونا الْحَيـاةَ بِأمْـرِ الرَّحمــن
زيِّنـوا الغِمْـدَ لِسِهـامِ الفُرســان
ابْحَثــوا بيْــنَ رُكـامِ الأغْصــان
عَنْ ليالٍ بالعمرِ غَضَّــةُ الأفْنـان
أيْن الطُّفـولةُ في ذاكَ الزَّمــان؟
أيْنَ القلـوبُ الدافِئـةُ والحَنـان؟
الكَـونُ مَرْتَـعٌ لِحُبــورِ الغِلْمــان
يعـزفـون الألْحانَ تِلْـوَ الألْحان
أيْـن الرِّيـاحُ إنْ تَعْلـو بِالرِّمــال؟
نُغْمِضُ العينين تَبْتسمُ الشَّفتان
نُسابـقُ الطيـورُ نُراقصُ الزُّهـور
تَفـوحُ بِالقلـبِ عُطـــورُ الأمـــان
لِلّٰــــه دَرُّكِ أيتُهــــا الطُّفــــولــة
هَــل تاهَــت خُطـىٰ الإحْســان؟
امْتَطيْنـــا الـــدُّروبَ العسيــــرة
والْهـــوىٰ يئِـنُّ بِهــوىٰ الصِّبيــان
شـــابَ الطِّفْـــلْ فـــي مَهْــــدِك
وحَفَــرَ القَهْــرُ قُبــورَ الْأحْـــزان
القَلْـــبُ الجَــريـــحُ بِــأَرْضِــــك
تَعـالَـت أوْجـاعُــهُ تَصُــمُّ الْآذان
وَلا حَيــــــاة لِمَــــــنْ تُنـــــــادي
ولا الصَــدىٰ يَبْعَـــثُ اطْمِئْنــــان
أنــــــا الطَّـــريـــــد بِـــــلا رداء
بِـــــلا أهْــــــلٍ بِـــــلا أوْطــــان
شَــــريــــدٌ وَسْـــــطَ الخِيــــام
بِـــــلا مَـــــأْوىٰ بِــــلا عُنْــــوان
بِـــــــلادْ الْقَهْـــــــرِ أوْطــانــــي
لِفيْـــــــض النَّبْـــــضِ خِــــذْلان
تَكـــالبـــــــوا عَلــــــىٰ رَوْحـــي
مِـن نَهْــرٍ إِلـىٰ بِئْــرٍ إِلـىٰ سَجّـان
بَـاتَـــت تَــرْتَعِـــدُ مِــنْ خَــوْفـي
والْأنْيـــــابُ تُمَـــــزِّقُ الْغِـــزْلان
المَـــــــوتُ يَـــــــرْوي قِصَصًـــا
والثَّــــرىٰ يَحْتَضِــــنُ الْأبْــــدان
أتَـــمَّ العَــراءُ مراسِـــمَ إلْحادي
وقَلْــــــبُ الأَرضِ أكْفـــــــــان
مــازِلْـــت أصْـــــرخُ يَــافَتـــــىٰ
أنْعـــــي ألْــــفَ ألْــــفَ ريـــــان
سَــــلامٌ عَلَـىٰ عَهْـــــدٍ مَضــــىٰ
لَـمْ يَعُــدْ لَـهُ قَلْــبٌ ولا لِســــان
سَـــــلامٌ عَلَـــىٰ عُـــشٌ هَــوىٰ
والٔأفْـــــراخُ بِفَـــــمِ الْغِــرْبــان
غُـــــرِسَ النَّــــاب والمِخْلَــــب
بِقَلْـــبِ الْبَـــدرِ أرْداهُ جُثْمــــان
ســــــاد الظَّـــــلامُ ومَــنْ أَبَــىٰ
فالْـقَـــــرارُ سَفَــــرٌ بِـــلا رُبَّـــان
فـــــي كُــــــلِّ وادٍ أهيــــــــم
والرُّصــاصُ أفْقَـدَنـي الاتِّــزان
حاكَموا الطُّفـولَـة بِـلا ذُنـــوب
تركوا الْجُنـاةَ يعتلون الْبُنْيـان
أقْسمـوا قَسـرًا خَفْـضَ الجِبـاه
سَلبـوا أسْبـاب الْحَيـاة عنفوان
ادْفَعـوا عَنَّـا ويْـلاتِ الحُــروب
غَفَـت كابوسًـا يُـؤرِّقُ الجَنْبـان
كَـــمْ نَطَـــقَ فينــــا الأنيـــــن
أيْن السَّلامُ والزَّيْتونُ والرُّمان؟
انْقِـذوا ماتَبَقـىٰ فينا مِن كَـلام
غَرِقَـــت الألْسِنَـــةُ لِــلْأذْقــــان
إلـىٰ مَتىٰ التَّشــدُّق بِـالسَّــلام
وَفَـردُ جَنـاحَ الحمـامِ إعْــلان ؟
إلــىٰ مَتـــىٰ زَرْعُ الابْتِســام
عَلـىٰ شِفــاهٍ أرْهَقَهـــا الكَـــلام
اطْلِقــوا لأَسْــرابِنـــا الأكْـــوان
امْطِـروهـا غَيْثًـا مِــنَ الْحَنــان
أعْطونا الْحيـاةَ بِأمْـرِ الرَّحمــن
زيِّنـوا الغِمْـدَ لِسِهـامِ الفُرســان
استهلال:
أحسنت العرب حين قالت : “الشاعر ابن بيئته” وصدقت حين جعلت منه محاميا مخلصا، يدافع عن القيم النبيلة والمثل العليا، التي ترتكز عليها الانسانية الحقة، فمن لم يحس بأوجاع غيره ومعاناة الناس وآلامهم، لا يحق له حمل القلم، لأن اليراع الذي لا يأتمر بالعواطف والأحاسيس قلم فاشل ،وليس له مكان بين فصيلة بني الإنسان…
دلالة العنوان:
“أعطونا الحياة” لفظتان تدلان على طلب أمر، والعبارة موجهة للغير من أجل فك شفرة هذا الخطاب. الطلب هنا، يحمل نوعا من الجدية والخشونة، لأن الجهة المانحة ، ربما تغاضت عن تلبية الطلب، أو تقاعست عن الرد، ليأتى الطلب على شكل فعل أمر قوي الدلالة، من أجل الحصول على شيء مفقود وهي الحياة الآمنة، كما أن الجهة التي تم توجيه الخطاب لها، قد تكون جماعة أو هيئة أو دولة…حين يضطر المرء لطلب الحياة، يعني أن الصراع على أشده ، إذن هو صراع بين الكائن والممكن، بين الكينونة واللا كينونة، بين الأنا والموضوع ، بين الشر والخير…صراع من أجل موطئ قدم تحت فيء الشمس الآمنة…
عرض وتحليل:
لم تترك الشاعرة سلوى زافون الفرصة تنفلت منها، لتعلنها منذ البداية ثورة قوية في وجه الظلم، حيث بينت للناس أن الله هو الذي يمنح الحياة لعباده، وكل من سولت له التدخل في ملكوته، فهو يستحق أن يحارب بكل ما أوتي من قوة: “زيِّنـوا الغِمْـدَ لِسِهـامِ الفُرســان”، استهلال قوي وصريح، الهدف منه إيصال الفكرة من أول وهلة، لأن المقام مقام جد وليس مقام هزل، هكذا كان الشعراء يستهلون قصائدهم قديما، حين يكون الحدث قويا ولا يستحق الانتظار، المقام هنا إذن مقام جد ، لا يستحق الوقوف على الطلل أو الاستهلال بمطلع غزلي أو هزلي…لذا بادرت الشاعرة إلى استعمال الفاظ قوية وخشنة، تماشيا مع الحدث …
ومما زاد المقام قوة استعمال الشاعرة أسلوب الاستفهام، الدال على الاستنكار والتنديد والغضب:
أيْن الطُّفـولةُ في ذاكَ الزَّمــان؟ * أيْنَ القلـوبُ الدافِئـةُ والحَنـان؟ هذه التساؤلات المدوية، تحتاج إلى أجوبة شافية، وإلا لما استقامت الأمور ولما تناسب القائل مع المقول، السؤال الذي يحمل هم الإنسانية، يحتاج إلى بلسم، يشفي جراحه، وإلى رد يلبي رغبة المتلقي وينصفه…وفعلا يأتي الجواب عبر هذه الأبيات: امْتَطيْنـــا الـــدُّروبَ العسيــــرة* والْهـــوىٰ يئِـنُّ بِهــوىٰ الصِّبيــان
شـــابَ الطِّفْـــلْ فـــي مَهْــــدِك* وحَفَــرَ القَهْــرُ قُبــورَ الْأحْـــزان الآن اتضحت الصورة ولم يعد الكلام مرموزا، ولم تعد الدلالات متخفية، لأن الحدث بين وواضح، والواقعة تخص فئة من الناس، تحتاج للدعم والحماية الدائمة: إنها الطفولة الضائعة، التي مورس عليها القهر، وتم استغلالها وتشريدها، والعبث ببراءتها، لقد “شاب الطفل في المهد” كما “اشتعل الرأس شيبا”، مفارقة عجيبة بين رجل شائب وطفل شعره أبيض ، تناص ديني جميل، يحمل أكثر من معنى، ويدل على أن الأمور فاقت التوقعات، موت ودمار واغتصاب وجوع وتعسفات …الانسانية أصبحت في كف عفريت و الموت يزكم الأنوف في كل مكان: المَـــــــوتُ يَـــــــرْوي قِصَصــاً* والثَّــــرىٰ يَحْتَضِــــنُ الْأبْــــدان
“الموت يروي قصصا” استعارة جميلة، الموت كأنه راوية يروي قصص المعاناة الأليمة، والموت هنا تم أنسنته ، وكأنه آدمي يعبر بلسانه عن أوجاع الناس، ولعل الرواية تكون طويلة ومتواترة، لطول أحداثها ومرارة حكاياتها…
العجيب في الأمر أن الروايات كثيرة ومتعددة ،لكن “لاحياة لمن تنادي”، وكأن الجميع موتى. الموت هنا لا يرتبط بالحياة الحقيقية، وإنما بموت القلوب وتحجر المشاعر.كان العرب قديما يشعلون نار القِرى لاستضافة المستجيرين، أو يردون المظلمة حين يسمعون صرخة المظلوم: “وا معتصماه !” سرعان ما يأتي الرد صاعقا وسريعا، لكن اليوم كل شيء تحور، وكل القلوب اخشوشنت، وأصبحت القيم والمثل في خبر كان…الأطفال في العراق وفي سوريا وفي إفريقيا وفي كل بقعة من العالم تُنتهك حرمتهم أمام كاميرات العالم، ولا أحد يستجيب لندائهم:
بِـــــــلادْ الْقَهْـــــــرِ أوْطــانــــي * لِفيْـــــــض النَّبْـــــضِ خِــــذْلان تَكـــالبـــــــوا عَلــــــىٰ رَوْحـــي* مِـن نَهْــرٍ إِلـىٰ بِئْــرٍ إِلـىٰ سَجّـان
“بلاد القهر أوطاني”: تناصى أدبي مع “بلاد العرب أوطاني”.
“تكالبوا على روحي” : تناص ديني مع الحديث التالي : “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل يا رسول الله: وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت”.
القصيدة غنية بمرجعيات مختلفة، لا يتسع المقام لذكرها جميعها، فكم من ريان مات موتة البئر، وكم من يوسف حوكم غدرا، وكم من طفل مات ظلما وقهرا، هي الطفولة في عالم العولمة، الكل يبحث عن مصالحه المادية والاقتصادية، ولا يعير أي اهتمام للإنسانية، كثرت الحروب وتضاعفت الأوبئة وتنازل الكثيرون عن مبادئهم، والبراءة أصبحت في كف عفريت:
السؤال:
أيْن السَّلامُ والزَّيْتونُ والرُّمان؟
الجواب:
حاكَموا الطُّفـولَـة بِـلا ذُنـــوب**** تركوا الْجُنـاةَ يعتلون الْبُنْيـان
خلاصة:
ما دامت الغربان متواجدة في عالمنا تنهش لحومنا، وتستبيح براءتنا، فالحمائم سوف تعاني ويتضاعف وجعها، أغصان الزيتون تم كسرها والورود تم قطفها ، حتما سينتشر الظلم إلى ما لانهاية، وشاعرتنا أحسنت الوصف حين ختمت قصيدتها بقولها:
اطْلِقــوا لأَسْــرابِنـــا الأكْـــوان **** امْطِـروهـا غَيْثًـا مِــنَ الْحَنــان
لانريد مالا …لا نريد جاها..لا نريد سلطة…نريد السلام…نريد أن يسود الحب بين الجميع…
د. محمد مهداوي
<<<<<<<<<<<<<<<<<<
احلام الشاقلدي
Ahlam Alshakeldi



أضف تعليق