أمي:
تعودت أن اكتب لك في كل عام حتى بعد رحيلك إلى السماء..
أريد أن ابكي لأفرغ مافي داخلي من هم وألم وحزن ..أريد أن أصرخ ليعلم الجميع من حولي أنني مازلت أعيش..أريد أن أكتب لك رغم أن الكلام لا يليق بك ..لأنك الوحيدة التي كنت ألجأ إلى صدرها كلما ضاقت بي الدنيا لتزيل عني همومي وألمي في ابتسامة او دعاء..
أمي التي احترقت لتنير لي الطريق لم اكن ارى فيه أصابعي لتمردي على الزمن ..فكانت هي الشروق والسرور والصفاء والنقاء والحنان فليس لغيرها يرمز الحب..
أمي يانبضي الساكنِ في صدري؛ يا ضمةٌ حنونة تبعد عني خوفي، أمي التي جمعتها في أعماقي لأسقيك من روحي ..تاهت حروفي ياأمي فلم اجد غيرك للحب دليلي.
أمي يا أول اسم نطقت به شفتاي ؛ يابؤبؤ العين ورموشها ..
أمي لا أكترث للسنوات التي تولد ولا للسنوات التي تموت الأهم أنك عندما كنت بجانبي كنت الزمن الوحيد الذي لا تغتاله عقارب الساعات..
حبيبتي لن اقبلك على خديك كما يفعل الآخرون ولن أضمك بين زراعي لثوانٍ كما يفعل الآخرون ولن أخترع كلاما يحمل التهاني بعيدك، انا احبك يا أماه بعيدا عن كل الأوقات وكل التهاني والتبريكات ..ومهما كانت الكلمات لن تستطع ان تعبر عما احمله لك..فأنت لست أمي في يوم عيدك فقط .بل أنت امي في كل الساعات ولن أكتفي بتفبيل يديك والركوع عند قدميك لأدخل الجنة..
أمي أيها الملاك والقرنفلة الرائعة وحبق الحب وبنفسج ربيع الحياة ..امي أيها الفدائي الذي وهبت نفسك لنا وكنت الربان المشاكس لعواصف الحياة فقهرت البرد والحر وسقيت بدموعك سنابل القمح والياسمين وكنت جسر عبورنا إلى شاطيء الأمان ..اجتمعت في شخصك قيمُ الكونِ كلُّها وصنعت لنا أبجديةُ الحب والعطاء ؛ أبجديةُ الأخلاق والوفاء ، ورفعت لواء الجهاد حتى فارقتي الحياة..
أمي التي اجتمع في شخصها صبر أيوب، وقناعة موسى ؛ وزهد عيسى؛ وجهاد محمد عليهم السلام فكانت لا تبالي بما سيحل بها ..فالموت تتجرعه من أجلنا ؛ وكان فراشها الأرض ولحافها السماء وتكتفي بلقمة طعام لتسد رمقها لتحتفظ بما تجمعه لأبنائها ..
أمي التي وهبتنا كل شيء وكل ما ارادته أن نحمل الشعلة لتبقى طريقنا مضاءةً ونسيرَ دون أن نتعثر ..لنسير بشموخ رغم المحن مستمدين منها العزيمة من صبرها وكفاحها وجهادها ؛ فمحبتي لك أيها الملاك سوف تستمر إلى الأبد ..
عيدك يا امي هو كلُ ايامي فأرجو أن تسامحيني لقصر عبارتي لأنني مهما انتقيت مفرداتي فلن أستطع أن أعبر عن جزء يسير مما احمله لك من حب..
أعذريني ايتها الملاك لأنني لم استطع أن أحقق كل ما اردته لي..فلا طاقة لي أمام سمو عطائك، انا معترف بتقصيري لكني بذلت كل جهدي لأكون أبنا صالحا له دورُ في بناء الحياة من اجل أن يستمر العطاء والخصب ويبقى الربيع وسنابل القمح..
والله يا أمي فتشت في القواميس والمعاجم والدواوين وبحثت في كتب فلاسفةِ العربِ واليونان لأنتقي مفرداتٍ تليق بسموك فلم أجد ما يليق
أنت أيتها الأم الغالية استطعت أن تتربعي على عرش اللغات كلِها والباحثون جميعا تاهوا في عالمك الكبير الذي لا حدود له؛ عالم العطاء والحب..عالم القيم والمباديء والتضحية .. فكنت كل فصولي وكنت ملاذي وملجأي وطبيبي وجسر عبوري ..فلما ترتكتني أيتها الملاك..
والله لن اغفر للأقدار أخذَك إلى عالم آخر فكنت أحتاج لوجودك وانا دائما أحتاجك..
تحيتي لك ايتها الأم الغالية ونحن على موعد للقاءك في السماء..
محبتي لك مادامت السماوات والأرض
وكل عام وانت وامهات العالم بألف ألف خير..
أفقر العباد
غسان..



أضف تعليق