قصةٌ قصيرةٌ
(عُقُوقٌ)
زهرةٌ لثمانيةِ عشر ربيعًا، ناغتِ اللَّيالي بسهرِها وَ أحلامِها، طرَّزتْ خُيوطَ الشمسِ أملًا، رفعتْ سقفَ توقعاتِها بإنَّ قابلَ الأيامِ أجملُ، تَرجو أسرَةً قويَّةً، تجمعُها عُرَىٰ المَحبَّةِ.
ذاتَ يومٍ خطبَها شابٌّ متوسطُ الحالِ، لمْ ترفضْ هٰكذا فرصةً، لِطالَما اِنتظرَتْها بفارغِ الصَّبرِ، تزوجتْ فباركَ الجميعُ ذٰلكَ، وَ معَ الأيَّامِ اِمتلَأَ فناءُ دارِها بالأولادِ، حرصتْ أيَّما حرص علىٰ راحتِهم، مستقبلِهم، تَرقبُ حركاتِهم وَ سكناتِهم، ليلَ نهارَ..
أُمٌّ رَؤومٌ، تَفوحُ منها عطورُ العَطفِ
وَ المحنَّةِ، تَتَنقَّلُ علىٰ رُؤوسِ أصابعِها عندَما ينامونَ، أو يُذاكرونَ دروسَهم.
بَيْدَ أنَّ دوامَ الحالِ مِنَ المُحالِ، فَبعدَ عناءٍ وَ صراعٍ معَ المرضِ تُوُفيَ زوجُها، راعي بيتَها، حَزنتْ كلَّ الحُزنِ عليه،
و لمْ تَستسلمْ، بلْ نفضتْ غبارَ الفراقِ، وَ نهضتْ بِعبءِ الحياةِ لوحدِها في مَسيرَةِ الرَّعايَةِ وَ التربيَّةِ، وَ اطمأَنَّتْ علىٰ زواجِهم، ذريتِهم، وَ أحوالِهم المعيشيَّةِ، جاهدتْ معَ الأحفادِ، بِحُبِّها وَ تحنانِها وَ اهتمامِها.. إلىٰ أنْ أخذَ الزمنُ منها مَأخذَهُ.
كَبُرَتْ وَ وَهنَ عظمُها، تركَ الشيبُ
آثارَهُ، ملأَ شعرَها، وَتسلَّلَ المرضُ إلىٰ جَسدِها، اِنحنىٰ ظهرُها وَ تلاشتْ قُواها…
أصبحَتْ ذاكرتُها شُبهَ معدُومةٍ، لمْ تُميِّزْ بينَ البنينِ وَ البناتِ، أو الأحفادِ، ضاعَ عَليها ليلُها و فقدتْ اِشراقةَ النَّهارِ..
أُصيبَتْ بلَعناتِ الزهايمر، أبدلَ حالَها
وَ غَيَّرَ ألوانَها! أضحتْ طِفلًا تَحبو، لا تَعي شَيئًا مِمَّا يَدورُ حولَها..
شعرتْ بالخذلانِ من كُلِّ ما حولِها، إلَّا
ابنةٌ واحدة، سَخَّرَها اللّٰهُ لَها، هديةً لِما
صَبرَتْ عليهِ كثيرًا، ابنةٌ بَرَّتْها بِكُلِّ ما تحتاجُ، وَ حملتْها علىٰ أَكفِّ يَديها…
مَسحتْ عنها غبارَ الخَيبةِ، وَ سُوءَ تَقديرِ ما آلَتْ إليهِ السّنين، وَ طاوَعتْهُ قلُوبُ الأبناءِ العاقِّينَ..
لمْ يَبقَ لها غَيرُ تلكَ الشَّمعَةُ وَ كرسيٌّ متحركٌ، تسابقُهُ أنفاسٌ مُتباطِئةٌ، ليسَ
أكثرَ منْ بضعةِ سُويعاتٍ.. أَمامَها!
(ابنة الفراتين )



أضف تعليق