مقام العلم في نهج البلاغة: ج٢
العلم متعلق بالمعلوم وأول المعلوم العلم الفطري المودع بالقوة في ثنايا الروح المشير إليه بلا دليل برهاني إلى العلم بوجود خالق لهذا المخلوق؛ ونتائجه الإقرار بوحدانية الخالق..
شرف العلم متعلق بشرف غايته؛ وخير العلوم وأشرفها تلك التي تجمع نتائج كل أنواع علوم الموجودات لتنقلها إلى غايتها وهو العلم الإنساني الذي يسمو بالإنسان إلى حالته الروحية المتسامية فوق الطبائع لتخرق جدار الأبدان وترى نور الخالق الديان..
قال الصادق ع: لا يقبل الله عملا بلا معرفة ؛ ولا معرفة إلا بعمل ؛ فمن عرف دلته معرفته على العمل ؛ ومن لم يعمل فلا معرفة له ” إلا ان الإيمان بعضه من بعض..
والعلم في النهج فتقوم على أشرف العلوم ؛ وكما قلنا العلم هو اللبنة الأولى في هرم المعرفة ونرى الإمام علي ع: يوجه إلى العلم الإلهي المتعلق بصلاح الإنسان ؛ ومن العلوم ما يعجز عنه الإنسان لضعف عقله وفكره وهي العلوم التي تخص اسرار الله.
قال الإمام علي ع: وما كان من فراجها وسمانها وأصناف أسناخها واجناسها ؛ ومتبلدة اممها وأكياسها على إحداث بعوضة ما قدرت ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ؛ ولتحيرت عقولنا في علم ذلك وتاهت وعجزت قواها وتناهت ورجعت خاسئة حسيرة عارفة بأنها مقهورة مقرة بالعجز عن إنشائها….
جهل الإنسان ليس مركبا على نقص في القوى الباحثة والمركبة للصور في العقل فقط؛ وإنما هو لاتساع رقعة ولمحدودية الصور المنقولة ايضا؛ فهي مانعة بذاتها عن بلوغ كمال المعرفة رغم وجود العقل لكن وسائل تغذية بالصور مقيدة بطبيعتها وعددها..
قال الإمام ع: رحم الله أمرأ تفكر فاعتبر فابصر فكان وما هو كائن في الدنيا عن قليل لم يكن العالم من عرف قدره وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره..
التفكر عملية تحليل الصور المنقولة إلى العقل وهنا كلمة صور تشمل الرواية والمأثور من القول والرجوع بالظواهر والمظاهر إلى حقيفة وجودها والغاية من إيجادها والحكمة من بيانها في مظاهرها سواء أكانت المظاهر فكرية أو عقلية أو مادية..
فالعالم الذي يعرف قدره أول أبواب علم الإنسان أن يكون عالما بما يختزن من معرفة سواء في ذاكرته أو قدرته على استخراج الصور واستنباط النتائج او حدود إمكانياته المتاحة له من مصادر المعرفة؛ وقدرته على استنباط الأحكام المتوافقة مع دين الله سبحانه..التي لا يمكن أن تفارق أو تباين العقل السليم ؛ فالميزان والمعيار موجود وواضح ودليل وحجة على من خسف الكيل..
العلم من العالم كشعاع من نور يبصر فيه في ظلام ليل اسود..
والجهل لا حدود له في الإنحدار وهذا ما نراه في حين وزمان ومكان فهو في نفق مظلم..
قال الإمام ع: العلم علمان : مطبوع ومسموع ولا ينفع المسموع إذا لم يكن المطبوع..
فالعلم المسموع:
الفقير لله : غسان صالح عبدالله



أضف تعليق